سيد قطب

2162

في ظلال القرآن

أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان . والقرآن يهيّئ لها القلوب والأذهان ، بلا جمود ولا تحجر « وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ » . . وفي معرض النقل والحمل والركوب والسير لبلوغ غايات محسوسة في عالم الأرض ، يدخل السياق غايات معنوية وسيرا معنويا وطرقا معنوية . فثمة الطريق إلى اللّه . وهو طريق قاصد مستقيم لا يلتوي ولا يتجاوز الغاية . وثمة طرق أخرى لا توصل ولا تهدي . فأما الطريق إلى اللّه فقد كتب على نفسه كشفها وبيانها : بآياته في الكون وبرسله إلى الناس : « وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ . وَمِنْها جائِرٌ . وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » . . والسبيل القاصد هو الطريق المستقيم الذي لا يلتوي كأنه يقصد قصدا إلى غايته فلا يحيد عنها . والسبيل الجائر هو السبيل المنحرف المجاوز للغاية لا يوصل إليها ، أو لا يقف عندها ! « وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » . . ولكنه شاء أن يخلق الإنسان مستعدا للهدى والضلال ، وأن يدع لإرادته اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال . فكان منهم من يسلك السبيل القاصد ، ومنهم من يسلك السبيل الجائر . وكلاهما لا يخرج على مشيئة اللّه ، التي قضت بأن تدع للإنسان حرية الاختيار . والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ ، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . . والماء ينزل من السماء وفق النواميس التي خلقها اللّه في هذا الكون ، والتي تدبر حركاته ، وتنشئ نتائجها وفق إرادة الخالق وتدبيره . بقدر خاص من أقداره ينشئ كل حركة وكل نتيجة . هذا الماء يذكر هنا نعمة من نعم اللّه « لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ » فهي خصوصية الشراب التي تبرز في هذا المجال ثم خصوصية المرعى « وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ » وهي المراعي التي تربون فيها السوائم . ذلك بمناسبة ذكر الأنعام قبلها وتنسيقا للجو العام بين المراعي والأنعام . ثم الزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار . . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . . في تدبير اللّه لهذا الكون ، ونواميسه المواتية لحياة البشر ، وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته ، موافقة لفطرته ، ملبية لحاجاته . وما هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في هذا الكوكب الأرضي ، وأن تكون النسب بين هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب هي هذه النسب ، وأن تكون الظواهر الجوية والفلكية على ما هي عليه ، ممكنة للإنسان من الحياة ، ملبية هكذا لحاجاته على النحو الذي نراه . والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير ، وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار ، وبين النواميس العليا للوجود ، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره . أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء ، في الصيف والشتاء ، فلا توقظ تطلعهم ، ولا تثير استطلاعهم ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد . والفوج الثالث من أفواج الآيات : « وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . .